ابن عربي
431
الفتوحات المكية
فحسرت عنها ذيلها إلى أن بد إلى فرجها فنظرت إليه ثم قلت لا يحل لي أن أنظر إلى فرج أمي فسترته وهي تضحك فوجدت نفسي قد كشفت في هذه المسألة وجها ينبغي أن يستر فسترته بألفاظ حسنة بعد كشفه قبل إن أرى هذه الواقعة فكانت أمي الطبيعة والفرج ذلك الوجه الذي ينبغي ستره والكشف إظهاره في هذا الفصل والتغطية بذلك الثوب الأبيض الحسن ستره بألفاظ وعبارات حسنة ثم إني أيضا كما أنا في كلامي على الطبيعة في هذا الفصل أخذتني سنة فرأيت كأني على فرس عظيم وقد جئت إلى ضحضاح من الماء أرضه حجارة صغار فأردت عبوره فرأيت أمامي رجلا على فرس شهباء يعبر وإذا فيه مثل الساقية عميقة مردومة بتلك الحجارة لا يشعر بها حتى يغرق فيها وإذا بذلك الفارس قد غرق فيها فرسه وقد نشب إلى أن وصل الماء إلى كفل فرسه ثم خلص إلى الجانب الآخر فنظرت من أين أعبر فوجدت مبنيا عليه مجازا ذا أدراج من الجهتين للرجالة لا يمكن للفرس أن يصعد عليه فيصعد فيه بإدراج متقاربة جدا وأعلاه عرض شبر وينزل من الجانب الآخر بإدراج فركضت جنب فرسي والناس يتعجبون ويقولون ما يقدر فرس على عبوره وأنا لا أكلمهم ففهم الفرس عني ما أريده منه فصعد برفق فلما وصل إلى أعلاه وأراد الانحدار توقف وخفت عليه وعلى نفسي من الوقوع فنزلت من عليه وعبرت وأخذت بعنانه وما زال من يدي فعبر الفرس وتخلصنا إلى الجانب الآخر والناس يتعجبون فسمعت بعض الناس يقولون لو كان الايمان بالثريا لنالته رجال من فارس فقلت ولو كان العلم بالثريا لنالته العرب والايمان تقليد فكم بين عالم وبين من يقلد عالما فقالوا صدق فالعربي له العلم والايمان والعجم مشهود لهم بالإيمان خاصة في دين الله ورددت إلى نفسي فوجدتني في مسألة في الطبيعة تطابق هذه الرؤيا فتعجبت من هاتين الواقعتين في هذا الفصل ونظرت في كواكب المنازل من كوكب واحد كالصرفة إلى اثنين كالذراع إلى ثلاثة كالبطين إلى أربعة كالجبهة إلى خمسة كالعوا إلى ستة كالدبران إلى سبعة كالثريا إلى تسعة كالنعائم ولم أر للثمانية وجودا في نجوم المنازل فعلمت أنه لما لم تكن للثمانية صورة في نجوم المنازل لهذا كان المولود إذا ولد في الشهر الثامن يموت ولا يعيش أو يكون معلولا لا ينتفع بنفسه فإنه شهر يغلب على الجنين فيه برد ويبس وهو طبع الموت وله من الجواري كيوان وهو بارد يابس فلذلك لم أر للثمانية وجودا في المنازل ثم علمت أن السيارة لا نزول لها ولا سكون بل هي قاطعة أبدا وقد يكون مرورها على عين كواكب المنزلة وقد يكون فوقها وتحتها على الخلاف الذي في حد المنزلة ما هو فسميت منزلة مجازا فإن الذي يحل فيها لا استقرار له وإنه سابح كما كان قبل وصوله إليها في سباحته فراعى المسمى ما يراه البصر من ذلك فإنه لا يدرك الحركة ببصره إلا بعد المفارقة فبذلك القدر يسميها منزلة لأنه حظ البصر فغلبه واعلم أن الطبيعة هذا حكمها في الصور لا يمكن أن تثبت على حالة واحدة فلا سكون عندها ولهذا الاعتدال في الأجسام الطبيعية العنصرية لا يوجد فهو معقول لا موجود ولو كانت الطبيعة تقبل الميزان على السواء لما صح عنها وجود شئ ولا ظهرت عنها صورة ثم نشأة الصور الطبيعية دون العنصرية إذا ظهرت أيضا لا تظهر والطبيعة معتدلة أبدا بل لا بد من ظهور بعض حقائقها على بعض لأجل الإيجاد ولولا ذلك ما تحرك فلك ولا سبح ملك ولا وصفت الجنة بأكل وشرب وظهور في صور مختلفة ولا تغيرت الأنفاس في العالم جملة واحدة وأصل ذلك في العلم الإلهي كونه تعالى كل يوم هو في شأن واليوم الزمن الفرد والشأن ما يحدث الله فيه فمن أين يصح أن تكون الطبيعة معتدلة الحكم في الأشياء وليس لها مستند في الإلهيات فهذا قد أبنت لك وجود الطبيعة انتهى الجزء الحادي والعشرون ومائة ( الفصل الرابع عشر في الاسم الإلهي ) الآخر وتوجهه على خلق الجوهر الهبائي الذي ظهرت فيه صور الأجسام وما يشبه هذا الجوهر في عالم المركبات وتوجهه على إيجاد حرف الحاء المهملة من الحروف وإيجاد الدبران من المنازل اعلم أن هذا الجوهر مثل الطبيعة لا عين له في الوجود وإنما تظهره الصورة فهو معقول غير موجود الوجود العيني وهو في